ابن ميثم البحراني

264

شرح نهج البلاغة

الخامس : كونهم تراجمة ينطق على ألسنتهم . ولفظ التراجمة مستعار لهم باعتبار نطقهم بما يريده إبليس من الوساوس للناس فأشبهوا التراجمة له . ثمّ أشار إلى كيفيّات اتّخاذهم مطايا وجندا وتراجمة فمنها الاستراق لعقول الناس بالأقوال الكاذبة والأفعال الباطلة والعادات المضلَّة جذبا إلى محبّة الدنيا وباطلها والتفاتا لهم إليها عمّا لأجله خلقوا وإليه دعوا ، ومنها الدخول في عيونهم بزينة الحياة الدنيا أيضا وسائر ما يجذب إليها من جهة حسّ البصر ، ومنها النفث في أسماعهم وإلقاء الوساوس بالأقوال الواصفة للدنيا وباطلها والمنفّرة عن الآخرة وسائر ما يجذب عن الأفق الأعلى من الجواذب السمعيّة . وانتصب استراقا ودخولا ونفثا على المصدر كلّ عن فعله : أي يسترق عقولكم استراقا . وكذلك الآخران . وقوله : فجعلكم مرمى نبله . أي غرضا ، واستعار لفظ النبل لجزئيّات وساوسه المردية لكلّ من أصابته إلى مهاوي الهلاك كما يردي النبل من رمى به ، ولفظ المرمى باعتبار كونهم مقصد الوساوسة كالهدف ، وكذلك استعار لهم لفظ الموطئ باعتبار كونهم مظنّة إذلاله وإهانته . ورشّح بذكر القدم إذ الموطئ يستدعى موطوءا به وهو القدم ، وكذلك استعار لفظ المأخذ باعتبار كونهم مقتنصين في حبايل وساوسه ، ورشّح بذكر اليد . إذ من شأن المأخوذ أن يكون أخذه باليد . الفصل الثالث : في أمرهم بالاعتبار بحال الماضين ، وما أصاب الأمم المستكبرين منهم من بأس اللَّه وصولاته وعقوباته ومصارعهم ، وبحال الأنبياء على جلاله قدرهم في التواضع لمن ارسلوا إليه من المتكبّرين ، وحال اختبار اللَّه تعالى خلقه بأحجار نصبها بيتا لعبادته اختبارا للمتواضعين له وتمييزا لهم من المستكبرين عن عبادته . إلى غير ذلك ، وذلك قوله : فَاعْتَبِرُوا بِمَا أَصَابَ الأُمَمَ الْمُسْتَكْبِرِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ - مِنْ بَأْسِ اللَّهِ وصَوْلَاتِهِ ووَقَائِعِهِ ومَثُلَاتِهِ - واتَّعِظُوا بِمَثَاوِي خُدُودِهِمْ ومَصَارِعِ جُنُوبِهِمْ -